Thursday, May 7, 2015

و كأنك -بفقدانه- فقدت جزء من روحك..


http://masreiat.com/opinion/2015/09/24/23839


من فقد شخص كانت علاقتهما بلغت من العمق ما يمكنهما من كشف المشاعر و الضعفات و الأحلام و الألم بلا خوف او خجل، لا يعود نفس الشخص كما كان قبل فقدانه.. و كأنه ترك جزء من أعماق روحه مع هذا الشخص..
و يطرح التساؤل لم قد افقد شخص وصل مستوى التواصل و المشاركة بين روحينا لهذا العمق؟
إختبارات الحياة أرتني اكثر الأسباب وضوحا عندما فقدت والدي.. فالموت هو أول الأسباب التي تفقدنا أحبائنا. و لكن لم تكف الحياة عن إعطائي المزيد و المزيد من الأسباب التي نفقد بها أحبائنا.. فقد نفقد شخص رغم هذا العمق بسبب الاختيار الشخصي لأحدنا او كلانا. و قد نفقد الشخص بسبب تعرضه لتجربة مؤلمة
لدرجة أحدثت تغيير في اعماقه، فيتغير ولا يعود كما كان، فنكون فقدنا الشخص كما عرفناه و تقربنا ببعضنا بعض. و قد نفقده بسبب زحام الحياة وذلك - في رأيي- هو اشد الاسباب أسفا!
هذا العمق قد يحدث في كل أنواع العلاقات الإنسانية دون أن  يحده نوع معين.. فيحدث بين أفراد العائلة كما يحدث بين الأصدقاء و كذلك الأزواج و الأحباء بل و ايضا قد يحدث بينك و بين مرشدك الروحي في الحياة. فمتى شعرت معه بقدرتك على الإفصاح بكل ما يدور بأعماقك بلا خوف من أحكام او خجل من نظرته لك يحدث هذا الإرتباط الوثيق الذي لا يتركك تعود كما كنت فيما قبل.
أعتقد –بل اؤمن- أن هذا النوع العميق من التواصل يتطلب جرأة و شجاعة و شعور بالأمان لدرجة عالية جدا.. فأن تكشف ضعفاتك و مشاعرك الحقيقية لأحد هو مجازفة كبيرة قد تعصف بكيانك لو قوبلت بالرفض أو بالسخرية أو حتى التجاهل و عدم الإهتمام. فقدس أقداس الإنسان هو حقيقة كيانه.. كيانه الذي لا يشاركه مع أحد إلا من خلال بذل مجهود شاق للحصول على الشجاعة و القوة اللازمتين لكشف و نزع كل الأقنعة و لبناء جسر ثقة بلا حدود يصل بينه و بين شخص أخر مختلف عنه، تكشف ذاتك متمنيا ان يحصل هذا المجهود على قيمته بل قدسيته، فلذلك مقابلته بالسخرية أو الرفض او التجاهل قد يضرب الشخص في مقتل و يسبب له ألم عميق قد يفقده ثقته في كل آخر.
أعتقد ان إنتشار عدم تمتعنا بهذا المستوى من الأمان و الثقة و الشجاعة الذي تطلبه  هذه العلاقات يرجع بسبب ظروف و طرق نشأتنا منذ الطفولة أولا ثم يلحقها عدم تحلينا بعلاقة راسخة حقيقية مع الله ثانيا- تلك العلاقة المقدسة التي تشفي و تعيد للحياة كل ما قد مات فيها. و سبب هذا الترتيب هو حدوثهم الزمني، فأول علاقة يبنيها الإنسان ثم يبني على أساسها كل مباديء علاقاته فيما بعد -متضمنا علاقته بالله- تبدأ بعلاقة الطفل بأبويه.  و هكذا فأولى علاقات الطفل –علاقته بأبويه- ثم علاقته بالله هم العلاقاتان الرئيسيتان التين يبني الإنسان عليهما نظرته لذاته ثم يبدأ في رؤية الاخرين من خلال تلك الرؤية.. رؤيته لذاته. فعلاقات الطفل الأولى و علاقته بخالقه هم المضختين الرئيسيتين التي تضخان فيه المحبة و القبول و الشجاعة و القوة او قد تضخان فيه عكسهما! الإنسان يولد و به ثقة و أمان نحو أمه لأنه بقي برحمها شهور لم يشعر خلالها بأي ألم او خوف فقد كان محتضنا شبعانا طوال الوقت فمنذ وقت الولادة يصبح على الأم مسئولية إمتصاص صدمة الولادة وإعادة و تثبيت ذلك الأمان و الحميمية التي تمتع بهما داخل رحمها. و تستمر تلك المسئولية على الأم و تمتد للأب منذ لحظة الولادة و حتى ينضج الطفل راسخا على مبدأ المحبة و الامان . فإما ان نقوم بهذا الدور او نتخلف عنه سواء عن جهل ولاوعي أو عن عدم إهتمام.
و لأن نظرة الإنسان لنفسه أصبحت مشوشة كذلك شوشت بل و شوهت نظرته لله و لكل أخر. و هذا هو السبب الرئيسي الذي جعل هذا النوع من العلاقات العميقة نادرة و شحيحة، بل و أصبحنا نخاف مصارحة حتى أنفسنا بحقيقتنا و ضعفاتنا و أحلامنا، و أصبحنا ننكر مشاعرنا و نغطيها بقناع اللامبالاة!
بالرغم من صعوبة و مشقة الطريق المؤدي لهذه القدرة على كشف الذات الا أن الدفء و السلام الناتجان عن مصالحة النفس و التعمق مع الاخرين يستحقان هذه المشقة. فقد خلقنا الله لنكون معا ونس و سند بعضنا لبعض، لم نخلق لتفترسنا برودة الوحدة و قسوة ألمها. و أيضا على الرغم من المجازفة الشديدة التي قد تسبب ألم يغير أرواحنا إلا أن ايضا الدفء الذي قد نحصل عليه يجعل المجازفة تستحق العناء و التجربة، بل و تكرار التجربة حتى ما نحصل على تلك الراحة التي لا غنى عنها ولا بديل.
@marmaritaaa


"نحن بحاجة الى ان نرى هذا المرض العالمى،الذى يثقل كاهل ما لا يحصى من الرجال و النساء،دافعا إياهم إلى أسفل مع مخاوفهم، مع معاناتهم،أحزانهم، وخيبة أملهم، وذنوبهم. نحتاج أن نفهم كم هو مأساوي أن يجدوا أنفسهم وحيدين. ربما إنهم يشاركوا في الحياة الاجتماعية، أوحتى يلعبوا دورا قياديا، و لكن ما يأكلهم من الداخل حقاً هو أنهم قد يعيشوا سنوات دون العثور على شخص يثقوا فيه كفاية ليعبروا له عما بداخلهم." من كتاب لنفهم بعضنا بعضا - د. بول تورنييه 

No comments:

Post a Comment